الآلوسي

59

تفسير الآلوسي

أو لعالمين ، وأن يكون بدلاً من موضع * ( من قبل ) * وأن ينتصب بإضمار أعني أو اذكر ، وبدأ بذكر الأب لأنه كان الأهم عنده عليه السلام في النصيحة والانقاذ من الضلال . والظاهر أنه عليه السلام قال له ولقومه مجتمعين : * ( مَا هَذه التَّمَاثيلُ الَّتي أَنُتُمْ لَهَا عَاكفُونَ ) * أراد عليه السلام ما هذه الأصنام إلا إنه عبر عنها بالتماثيل تحقيراً لشأنها فإن التمثال الصورة المصنوعة مشبهة بمخلوق من مخلوقات الله تعالى من مثلت الشيء بالشيء إذا شبهته به ، وكانت على ما قيل صور الرجال يعتقدون فيهم وقد انقرضوا ، وقيل كانت صور الكواكب صنعوها حسبما تخيلوا ، وفي الإشارة إليها بما يشار به القريب إشارة إلى التحقير أيضاً ، والسؤال عنها بما التي يطلب بها بيان الحقيقة أو شرح الاسم من باب تجاهل العارف كأنه لا يعرف أنها ماذا وإلا فهو عليه السلام محيط بأن حقيقتها حجر أو نحوه ، والعكوف الإقبال على الشيء وملازمته على سبيل التعظيم له ، وقيل اللزوم والاستمرار على الشيء لغرض من الأغراض وهو على التفسيرين دون العبادة ففي اختياره عليها إيماء إلى تفظيع شأن العبادة غاية التفظيع ، واللام في * ( لها ) * للبيان فهي متعلقة بمحذوف كما في قوله تعالى : * ( للرؤيا تعبرون ) * ( يوسف : 43 ) أو للتعليل فهي متعلقة بعاكفون وليست للتعدية لأن عكف إنما يتعدى بعلى كما في قوله تعالى : * ( يعكفون على أصنام لهم ) * ( الأعراف : 138 ) وقد نزل الوصف هنا منزلة اللازم أي التي أنتم لها فاعلون العكوف . واستظهر أبو حيان كونها للتعليل وصلة * ( عاكفون ) * محذوفة أي عاكفون على عبادتها ، ويجوز أن تكون اللام بمعنى على كما قيل ذلك في قوله تعالى : * ( وإن أسأتم فلها ) * وتتعلق حينئذ بعاكفون على أنها للتعدية . وجوز أن يؤول العكوف بالعبادة فاللام حينئذ كما قيل دعامة لا معدية لتعديه بنفسه ورجح هذا الوجه بما بعد ، وقيل لا يبعد أن تكون اللام للاختصاص والجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع خبراً و * ( عاكفون ) * خبر بعد خبر ، وأنت تعلم أن نفي بعده مكابرة . ومن الناس من لم يرتض تأويل العكوف بالعبادة لما أخرج ابن أبي شيبة . وعبد بن حميد . وابن أبي الدنيا في ذم الملاهي . وابن المنذر . وابن أبي حاتم . والبيهقي في الشعب عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه مر على قوم يلعبون بالشطرنج فقال : ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون لأن يمس أحدكم جمراً حتى يطفى خير له من أن يمسها ، وفيه نظر لا يخفى ، نعم لا يبعد أن يكون الأولى إبقاء العكوف على ظاهره ، ومع ذلك المقصود بالذات الاستفسار عن سبب العبادة والتوبيخ عليها بالطف أسلوب ولما لم يجدوا ما يعول عليه في أمرها التجؤا إلى التشبث بحشيش التقليد المحض حيث . * ( قَالُواْ وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا لَهَا عَابِدِينَ ) * . * ( قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابدينَ ) * وأبطل عليه السلام ذلك على طريقة التوكيد القسمي حيث . * ( قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُمْ فِى ضَلَالٍ مُّبِينٍ ) * . * ( قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ ) * الذين وجدتموهم كذلك * ( في ضَلاَلَ ) * عجيب لا يقادر قدره * ( مُبين ) * ظاهر بين بحيث لا يخفى على أحد من العقلاء كونه ضلالاً لاستنادكم وأياهم إلى غير دليل بل إلى هوى متبع وشيطان مطاع ، و * ( أنتم ) * تأكيد للضمير المتصل في * ( كنتم ) * ولا بد منه عند البصريين لجواز العطف على مثل هذا الضمير ، ومعنى كنتم في ضلال مطلق استقرارهم وتمكنهم فيه لا استقرارهم الماضي الحاصل قبل زمان الخطاب المتناول لهم ولآبائهم ، وفي اختيار * ( في ضلال ) * على ضالين ما لا يخفى من المبالغة في ضلالهم ، وفي الآية دليل على أن الباطل لا يصير حقاً بكثرة المتمسكين به . * ( قَالُواْ أَجِئْتَنَا بالْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ ) * . * ( قَالُوا ) * لما سمعوا مقالته عليه السلام استبعاداً